الأم لا تحتاج إلى الراحة فقط
حين نتحدث عن إرهاق الأمومة او الاحتراق الوالدي، غالبًا ما تكون النصيحة الأولى هي الراحة. أن تنامي أكثر، أو تأخذي وقتًا لنفسكِ، أو تبتعدي قليلًا عن مسؤولياتكِ.
وأفهم من أين تأتي هذه النصيحة. فالأمومة فعلًا تتطلب الكثير من الوقت والطاقة، وأحيانًا كل ما تحتاجينه هو أن تتوقفي قليلًا.
لكن ماذا عن ذلك الإرهاق الذي لا يزول بعد النوم؟
حين ترتاحين، وتنامين، وربما تجدين بعض الوقت لنفسكِ، ومع ذلك تشعرين شيئًا ما زال فارغًا بداخلكِ.
أعتقد أن هناك فرقًا بين أن تتوقفي عن استهلاك طاقتكِ، وبين أن يكون في حياتكِ
ما يعيد إليكِ هذه الطاقة.
وهذا جانب لا نتوقف عنده كثيرًا حين نتحدث عن الاحتراق الوالدي.
أن تكون حياتكِ مليئة بما يتطلب منكِ العطاء، لكن ليس فيها ما يكفي مما يغذّيكِ أنتِ.
ولهذا بدأت أفكر في معنى العناية بالذات، وفي الأشياء التي نعتبرها مصدرًا للراحة والتجدد.
حين تسمعين كلمة العناية بالذات، ربما تفكرين في جلسة مساج، أو موعد في الصالون، أو بعض الوقت بعيدًا عن الأطفال.
وكلها أشياء جميلة، وقد تحتاجينها فعلًا.
لكنني أعتقد أن العناية بالذات أوسع من ذلك.
أحيانًا تكون في علاقة.
في شخص تجلسين معه، وتتحدثان لساعات، ثم تخرجين من اللقاء وأنتِ تشعرين أن شيئًا داخلكِ قد تجدد.
ربما لأن الحديث فتح لكِ فكرة لم تفكري فيها من قبل، أو لأنكِ تحدثتِ عمّا يثير اهتمامكِ، أو لأنكِ شعرتِ أنكِ مفهومة، وأنكِ تستطيعين أن تكوني نفسكِ.
لم تنامي، ولم ترتاحي بالمعنى الذي اعتدنا عليه. ومع ذلك، خرجتِ بطاقة لم تكن لديكِ قبل اللقاء.
بالنسبة لي، هذا أحد أشكال العناية بالذات التي لا نعطيها حقها.
وجود علاقات لا تقتصر على تبادل الأخبار، أو أداء الالتزامات الاجتماعية، أو حتى مشاركة المتاعب.
بل علاقات تضيف إلى حياتكِ شيئًا.
تثير فضولكِ، وتوسّع نظرتكِ، وتعيد اتصالكِ بأجزاء من نفسكِ ربما لم تجدي لها مساحة منذ أصبحتِ أمًا.
وهذا لا يعني أن كل علاقاتكِ يجب أن تكون كذلك. فأنتِ تعيشين وسط علاقات مختلفة، بعضها تختارينه، وبعضها تفرضه عليكِ الحياة، وليس من الواقعي أن تتوقعي من كل علاقة أن تمنحكِ الشعور نفسه.
لكنني أعتقد أن من المهم أن يكون في حياتكِ، وسط كل هذه العلاقات، أشخاص تشعرين أن وجودهم يغذّيكِ فعلًا.
وهنا أرى أن هناك شيئًا يسبق قدرتكِ على اختيار هذه العلاقات.
وهو أن تعرفي نفسكِ.
لأن ما يعيد إليّ طاقتي قد لا يكون هو نفسه ما يعيد إليكِ طاقتكِ.
وما كنتِ تبحثين عنه في علاقاتكِ قبل الأمومة قد لا يكون ما تحتاجينه منها اليوم.
تتغيّر اهتماماتكِ، وأولوياتكِ، وحتى الطريقة التي ترغبين أن تقضي بها وقتكِ.
ولهذا، فإن معرفة ما يغذّيكِ تتطلب أن تتوقفي وتسألي نفسكِ عمّا أصبح مهمًا لكِ في هذه المرحلة.
ما القيم التي تريدين أن تعيشي وفقها؟
ما الأحاديث التي تثير اهتمامكِ؟
ومع من تشعرين أنكِ تستطيعين أن تكوني نفسكِ؟
ليس بالضرورة أن تجدي أشخاصًا يشبهونكِ في كل شيء، أو يتفقون معكِ في كل فكرة.
لكن أن يكون بينكم ما يسمح لعلاقة أن تنمو، وأن تضيف إلى حياتكِ بدلًا من أن تكون مجرد التزام آخر.
وأعتقد أن أهمية هذه العلاقات تظهر أكثر في الأمومة.
لأن جزءًا كبيرًا من يومكِ يمضي في الاستجابة لاحتياجات الآخرين.
تستمعين، وتحتوين، وتعتنين، وتفكرين فيما يحتاجه أطفالكِ وعائلتكِ.
ومع الوقت، قد تعتادين على أن تكوني أنتِ من تمنح، حتى تنسي أن تسألي نفسكِ عمّا تحتاجين أن تتلقيه.
ولا أقصد هنا المساعدة في المسؤوليات فقط، رغم أهميتها.
أقصد أن يكون في حياتكِ ما يثير عقلكِ، ويغذّي مشاعركِ، ويمنحكِ فرصة أن تعيشي جوانب أخرى من نفسكِ.
أن تكوني في مساحة لا يُطلب منكِ فيها أن تؤدي دورًا، أو تستجيبي لحاجة، بل تستطيعين أن تكوني حاضرة كإنسانة لها اهتماماتها وأفكارها وأسئلتها.
وربما لهذا لا أعتقد أن الحل دائمًا في أن تفعلي أقل.
أحيانًا تحتاجين أن تضيفي إلى حياتكِ شيئًا.
علاقة، أو حوارًا، أو تجربة تجعلكِ تشعرين بالحيوية من جديد.
وهذا لا يلغي أهمية النوم والراحة، ولا يعني أن العلاقات وحدها تعالج الاحتراق الوالدي.
لكنه يجعلني أتساءل إن كنا نختزل احتياجات الأم حين نعتقد أن كل ما ينقصها هو بعض الوقت بعيدًا عن مسؤولياتها.
فنحن نفكر كثيرًا في كيف نخفف الحمل عن الأم.
لكننا لا نفكر بالقدر نفسه فيما يمكن أن يغذّيها.
لأنكِ لا تحتاجين فقط إلى حياة أقل إرهاقًا.
تحتاجين أيضًا إلى حياة فيها ما يعيد إليكِ طاقتكِ و يغذيك كأنسانة وامراءة.
وربما يبدأ ذلك من سؤال مختلف.
ليس فقط: ما الذي أحتاج أن أرتاح منه؟
بل: ما الذي أحتاج أن أفسح له مكانًا في حياتي؟
متى كانت آخر مرة خرجتِ من لقاء وأنتِ تشعرين أنكِ استعدتِ شيئًا من نفسكِ؟
شذى