ليش دائمًا تحسي إنك مقصرة كأم؟

ممكن تكوني متواجدة، وتقدمي أفضل ما عندك، وحتى الكل حولك يمدح فيك وفي علاقتك مع أبنائك، لكن يظل في صوت داخلك يقولك: مو كفاية، حرام عليك.

ونفس هذا الصوت أحيانًا يخوفك إنك ممكن تضري أطفالك نفسيًا، يكبر لك الأخطاء، ويصغر لك الانتصارات أو حتى يخفيها لمن تتحقق.

والي يثير اهتمامي هنا إن المشكلة مو دائمًا في اداء الأم. أحيانًا يكون لشعور التقصير تاريخ يسبق الأمومة بسنين، وتجي الأمومة وتكشفه.

لمن ترجع الأم بالذاكرة شوية، ممكن تلاحظ إن هذا الشعور كان موجود بشكل أو بآخر في مراحل سابقة من حياتها، لكن الأمومة أعطته مساحة أكبر وصوتًا أوضح.

ومن هنا بالنسبة لي يبدأ فهم شعور التقصير بشكل مختلف.

ارجعي لطفولتك

مارح تفهمي أمومتك قبل ما تفهمي طفولتك.

هذه جملة دائماً أرددها، لأن طفولتنا تشكل أمومتنا، وأشياء كثير من تجاربنا القديمة تظهر بشكل أوضح لمن نصير أمهات.

مو كل شعور بالتقصير سببه الطفولة. لكن أحياناً كثير تكون له جذور في الطريقة اللي تربت فيها الأم، أو في طريقة تعامل أحد الوالدين معاها.

واللي يلفتني أكثر هو الي يصير لمن تكون الأم خائفة إن بعض المشاعر أو التجارب اللي مرت فيها تتكرر مع أطفالها.

بدون ما تنتبه، تبدأ تشوف نفسها فيهم.

الموقف اللي يمر فيه طفلها يذكرها بموقف عاشته هي، ومشاعره تلمس مشاعر قديمة عندها، ويصير عندها خوف كبير إنه يعيش نفس التجربة والمشاعر.

وهنا يبدأ الخط الفاصل بين تجربة الأم وتجربة الطفل يصير أقل وضوحاً.

لأن تشابه الموقف ما يعني بالضرورة تشابه التجربة.

الطفل عنده عالم داخلي مختلف، ومشاعر مختلفة، وتجربة خاصة فيه، حتى لو الموقف يشبه شي عاشته أمه.

في علم النفس في مفهوم اسمه Parental Reflective Functioning، وببساطة هو قدرة الأهل إنهم يحاولوا يفهموا المشاعر والأفكار اللي ممكن تكون وراء تصرفاتهم وتصرفات أطفالهم، ويشوفوا الطفل كشخص منفصل عنهم، عنده عالم داخلي وتجربة خاصة فيه.

عند هذه النقطة، يصير التفريق بين تجربة الأم وتجربة طفلها مهم:

هل هذا فعلًا الي طفلي قاعد يحس فيه؟ أو هذا الي الموقف حرّكه داخلي أنا؟

الهوس في البحث وزيادة المعلومات

وفي جانب آخر مرتبط جدًا بشعور التقصير عند الأم اليوم: علاقتها بالمعلومات.

كثير من الأمهات لمن يواجهوا تحدي مع أطفالهم، أو مشاعر صعبة ما يعرفوا كيف يتعاملوا معها، يلجؤون للبحث والقراءة وزيادة مخزونهم الفكري والمعرفي.

وهذا بحد ذاته شي مهم ومفيد.

لكن الأم اليوم محاطة بكم هائل من المعلومات والتوصيات والتحذيرات بشكل ما كان متاح للأجيال اللي قبلها. تعرف عن التعلّق، والصدمات النفسية، وتنظيم الجهاز العصبي، والتربية اللطيفة، وتنظيم المشاعر، وكل يوم في معلومة جديدة عن شي المفروض تسويه أو ما تسويه.

وهذه المعرفة ممتازة وغيرت كثير في أساليب التربية والتعامل مع الأطفال للأفضل.

لكن اللي يستحق نتوقف عنده هو الدور اللي بدأ البحث والقراءة ياخذه في حياة الأم.

لمن يصير البحث هو الشي اللي ترجع له الأم كل مرة تحس بالقلق، يبدأ ياخذ وظيفة ثانية: يعطيها إحساس أكبر بالأمان والسيطرة وسط عدم اليقين.

وهنا تبدأ دائرة أشوفها مثيرة للاهتمام.

كل ما قرأت الأم أكثر، صار عندها تفاصيل أكثر تعرفها ومعايير أكثر تقدر تقيس نفسها عليها. تبدأ تراجع المواقف اللي تصير بينها وبين طفلها، وتحلل ردودها، وتقارن تصرفاتها بالطريقة الأفضل اللي تعرفها.

وهذا مدخل سهل جدًا لشعور التقصير.

تخاف الأم إنها مقصرة، فتبحث أكثر عشان تعرف ايش تسوي. وكل ما عرفت أكثر، ارتفع المعيار اللي تقيس نفسها به، فترجع تحس إنها مقصرة.

التحدي يبدأ لمن يصير البحث وسيلة للتعامل مع عدم اليقين والمشاعر الصعبة، وتتحول المعلومات إلى أداة تحاسب فيها الأم نفسها طول الوقت.

وهنا تظهر مفارقة تستحق الانتباه:

الأم اليوم عندها معرفة ومعلومات أكثر من أي وقت مضى، لكن المعرفة وحدها ما تضمن إنها تثق في نفسها اكثر.

لأن مو كل شي تواجهه في الأمومة له إجابة واضحة، ومو كل شي يحتاج سيطرة.

والمشاعر تحديدًا ما تحتاج سيطرة بقدر ما تحتاج قدرة على تنظيمها وتحملها وفهمها، والتعامل مع عدم اليقين اللي يجي معاها.

وهذا يوضح الفرق بين المعرفة والثقة بالنفس.

المعرفة تعطي الأم معلومات وأدوات تقدر تستند عليها، لكن الثقة بالنفس هي قدرتها على استخدام هذه المعرفة بمرونة، والثقة بإحساسها في التعامل مع الموقف الي قدامها.

وفي مرحلة معينة، الأم ما تحتاج تعرف أكثر عن أطفالها قد ما تحتاج تعرف أكثر عن نفسها.

لأن الاكتفاء والرضا شعور، مو فكرة تثبتها الأم لنفسها أو تقتنع فيها.

تواصلك مع أطفالك

وهنا تظهر النقطة اللي تجمع كل ما سبق: علاقة الأم بأطفالها.

مع كل المعلومات والمعايير اللي صارت الأم تعرفها، حتى التواصل والحضور العاطفي ممكن يتحول بدون ما تنتبه إلى معيار جديد تقيس نفسها عليه.

تبدأ تراقب حضورها مع طفلها، وطريقة استجابتها لمشاعره، وقدرتها على فهمه واحتوائه، وكأن حتى التواصل نفسه له طريقة صحيحة لازم تحققها طوال الوقت.

مع إن التواصل والحضور العاطفي من أهم الأشياء في علاقة الأم بأطفالها، لكنه ما يعني الكلام والاداء فقط. هو قدرتها تكون حاسة فيهم ومتصلة فيهم مشاعريًا، وتشوف الطفل اللي قدامها، مو بس كل المعلومات اللي تعرفها عنه وعن التربية.

والمفارقة إن حتى مفهوم صحي ومهم مثل الحضور العاطفي ممكن يتحول إلى معيار جديد للكمال.

مع إن مافي أم رح تكون متصلة بطفلها طول الوقت.

الأم حتعصب، وحتفهم طفلها غلط أحيانًا، وما حتنتبه له في كل مرة. حتكون تعبانة أو مشغولة، وحتمر لحظات يصير فيها انقطاع بينهم، وهذا بحد ذاته مو دليل على فشل العلاقة.

في العلاقات في مفهوم مهم اسمه rupture and repair. بمعنى إنه مو المطلوب إنه ما يصير بين الأم وطفلها انقطاع أو سوء فهم أبدًا. الانقطاع جزء طبيعي من أي علاقة، وفي العلاقة مساحة للرجوع والإصلاح بعده.

الأم تقدر ترجع لطفلها، تتواصل معاه، تحاول تفهم ايش صار، تعتذر إذا احتاج الموقف، وترجع تبني الاتصال بينهم.

وهنا أعتقد إننا نوصل إلى الفكرة الأساسية وراء شعور التقصير:

يبدأ شعور التقصير لمن تتحول الأمومة من علاقة نعيشها مع أطفالنا إلى أداة للتقييم المستمر.

المعلومات والأدوات موجودة عشان تساعد الأم تعيش علاقتها بأطفالها بوعي أكبر، مو عشان تخليها واقفة خارج العلاقة تراقب نفسها وتقيّم كل حركة تسويها.

لأن كل ما تحولت المعلومات إلى معايير جديدة تحاسب الأم نفسها عليها، رجعت لنفس شعور التقصير اللي كانت تحاول من البداية تتخلص منه.

وأحيانًا، قبل ما ندور على إجابة، يستحق نتوقف عند السؤال نفسه.

لأن السؤال اللي نبدأ منه يحدد فين نبحث عن المشكلة.

لمن تسأل الأم نفسها:

ايش لازم أسوي أكثر عشان أكون أم كويسة؟

هي بشكل غير مباشر افترضت إن في شي ناقص في أمومتها، وإن الحل هو إنها تعرف أكثر، تسوي أكثر، أو تصلح شي في طريقتها.

لكن لو تغير السؤال إلى:

ليش مهما سويت، لسه في جزء مني يحس إنه مو كفاية؟

يتغير مكان البحث كله.

بدل ما تبحث الأم عن الشي الناقص في أمومتها، تبدأ تفهم الشعور الي يخلي كل الي تسويه يبدو ناقصاً.

شذى

ابدئي معي بجلسة استكشافية